صدى البلد نيوز

مبدأ اللحظة بقلم : نشأت البسيوني

 مبدأ اللحظة


بقلم/نشأت البسيوني 





في كل حياة انسان لحظة معينة لا تشبه ما قبلها ولا تأتي مصادفة رغم ان شكلها يوحي بذلك لحظة تغير شعورا او تفتح وعيا او تصنع معنى جديدا لعلاقة قديمة او عادة نمارسها منذ زمن دون ان نلتفت اليها فاللحظة التي يتوقف فيها الانسان ليفكر بجدية وتعرى فيها الحقيقة امامه بلا تجميل هي لحظة لا يمكن تجاهلها لانها تكشف للانسان ما لم يكن يراه وهو مشغول بفوضى الايام

وفي مبدأ اللحظة يكتشف الانسان ان الاشياء الصغيرة التي كان يمر عليها مرور العابرين لها تأثير عميق لم ينتبه له قبل ذلك فابتسامة تغير مزاج يوم كامل كلمة تشعل شعورا كان منطفئا موقف بسيط يفتح باب فهم جديد وكل هذه التفاصيل التي تبدو عابرة تصنع في مجموعها الانعطاف الكبير الذي يحدث في داخله فالقلب لا يتغير بضربة واحدة بل بتراكم لحظات هادئة تصنع اختلافا لا يلاحظه الا حين ينظر للخلف

وفي اللحظة الفاصلة ينكشف الانسان امام نفسه يعرف ما الذي يستحق ان يبقى وما الذي يجب ان يغادر وما الذي كان يتمسك به عبثا وما الذي اهمله وهو كان اولى بالاهتمام ويعرف انه كان يخاف من اشياء لا تستحق الخوف ويتردد عن اشياء كانت تنتظره ليتقدم خطوة واحدة فقط ليبدأ فيها فمبدأ اللحظة يعلم الانسان ترتيب حياته من جديد دون ان يشعر انه يبذل مجهودا كبيرا لان التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل لا من الشكل الخارجي

وفي كل لحظة صادقة يكتشف الانسان حجمه الحقيقي امام الزمن وامام الناس وامام ذاته يعرف حدود طاقته ومساحات قوته وما يمكنه المواصلة فيه وما يجب ان يغلق بابه دون ندم فاللحظة ليست مجرد وقت بل ادراك والادراك اقوى من التجربة نفسها لان التجربة تمر لكن ادراكها يبقى ويغير نظرة الانسان لكل شيء حوله حتى الكلمات التي كانت تمر بلا اثر تصبح ذات معنى والوجوه التي كانت عادية تصبح اكثر وضوحا

وغالبا يكون اعظم التغيرات التي تحدث في حياة الانسان بسبب لحظة واحدة ادرك فيها قيمة شيء كان يملكه او قيمة شخص كان قريبا او قيمة فرصة مرت امامه ولم يلتقطها في حينها وفي احيان اخرى يدرك قيمة نفسه التي كان يهملها ويرى صورته الحقيقية بعيدا عن اراء الناس وضغط المقارنات فيقرر ان يعيش بطريقة تناسبه لا بطريقة ترضي الاخرين

وفي مبدأ اللحظة يتعلم الانسان ان بعض القرارات لا تحتاج وقتا طويلا بل تحتاج صدقا وبعض الطرق لا تحتاج تخطيطا بقدر ما تحتاج شجاعة وبعض العلاقات لا تحتاج تبريرا بل تحتاج وضوحا وبعض الاحلام لا تحتاج سنوات بل تحتاج ان نبدأ فيها اليوم قبل الغد لان اللحظة التي يقتنع فيها الانسان بذاته قد تعادل سنوات من التردد والبحث

وفي النهاية يعرف الانسان ان اللحظة التي يغير فيها طريقة نظره للحياة هي اللحظة التي تتغير فيها حياته كلها لان الزمن لا يقاس بالساعات بل بالادراك الذي يحدث داخل القلب وكل ادراك حقيقي يصنع بداية جديدة حتى لو لم تتغير الظروف لان الانسان حين يرى بوضوح يصبح اقوى على مواجهة ما كان يربكه وامضى في اتخاذ ما كان يخشاه واصدق مع نفسه في كل خطوة يخطوها بعد ذلك

أحدث أقدم
صدى البلد نيوز
صدى البلد نيوز
صدى البلد نيوز