صدى البلد نيوز

المحاميه هند اسماعيل




 ثورة 25 يناير و30 يونيو في الدستور المصري


مقدمة


شهدت مصر في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أحداثًا سياسية واجتماعية عميقة تمثّلت في ثورة 25 يناير 2011، تلتها ثورة 30 يونيو 2013. وقد كان لهذه الأحداث انعكاسات مباشرة على مسار الحياة الدستورية والسياسية، بُنيت حولها مقاربات نظرية وقانونية في التحليل الدستوري للانتقال السياسي في مصر، ولاسيما في الدستور المصري 2014 الذي صيغ في أعقاب تلك الأحداث.


أولاً: مفهوم الثورة في الدستور المصري


الدساتير عادة لا تُعرِّف الثورة كظاهرة سياسية بشكل صريح، لكنها قد تستدعي أحداثًا جماهيرية وتحولية في "ديباجة" الوثيقة أو نصوصها التمهيدية. في الدستور المصري المعمول به حاليًا (2014)، جاءت الديباجة لتشمل تذكيرًا بتاريخ النضال الوطني وأحداث 25 يناير و30 يونيو على حدٍ سواء، في صياغة موحدة تُعرِّفهما بـ"الثورة" وتستدعي أهدافهما الوطنية والاجتماعية والوحدوية، مؤكدًا على قيم الحرية والعدالة والمواطنة كأسس للدولة المدنية الحديثة. 


يُعد هذا اعترافًا دستوريًا صريحًا بأنه لا يمكن النظر إلى الثورة باعتبارها حدثًا منعزلًا عن مسار البناء المؤسسي، بل كجزءٍ من تطور الإرادة الشعبية في إطار دستوري. ومع ذلك، طبيعة هذا الاعتراف تختلف عن تعريف دقيق للثورة في باب "المواد القانونية" مثلما يحدث في كثير من دساتير دول أخرى، إذ يقترن التذكير التاريخي بالقيم والتطلعات الوطنية. 


ثانيًا: الدستور المصري 2014 وذكرى ثورتي 25 يناير و30 يونيو


بحسب الديباجة الرسمية للدستور المصري 2014، فقد تم توحيد ذكرى الثورة في صياغة واحدة:

"ثورة 25 يناير – 30 يونيو"، ما يشير إلى صلة وثيقة بين الحدثين التاريخيين، لا ينفصلان عن سياقهما الوطني. وهذا الاعتراف يظهر رغبة في أن يُنظر إلى الحقبة الانتقالية بأكملها باعتبارها عملية شعبية متواصلة لإصلاح النظام السياسي، وإن كانت تختلف في أسبابها ومظاهرها. 


وقد أشارت بعض التحليلات الدستورية إلى أن إدراج الثورة بهذه الطريقة في الديباجة يعكس محاولة التوفيق بين إرادة الشعب في التغيير ومساندته لمقومات الدولة الحديثة، مع إقرار بحق الشعب في التغيير السلمي للحكم السائد، بما يتوافق مع المبادئ الديمقراطية المؤسسية. 


ثالثًا: المناظرات الأكاديمية حول طبيعة الثورة ومرحلتها الدستورية


في الإطار الأكاديمي، يُنظر إلى فترة 2011–2014 ليس فقط على أنها أحداث ثورية منفصلة، بل كسياق دستوري حاسم في تطور الحياة الدستورية. أحد الأعمال البارزة في هذا المجال هو كتاب جدل الدستور والمرحلة الانتقالية في مصر بين 25 يناير و30 يونيو الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والذي يعالج تحليلًا عميقًا لمسار التغيير الدستوري في مصر، بدءًا من المطالب الشعبية لإصلاح النظام، مرورًا بصياغة الوثيقة الدستورية، وصولاً إلى مناقشة دور المؤسسات الدستورية مثل المحكمة الدستورية العليا. 


هذا العمل ومناظرات مماثلة تُظهر أن الثورة في السياق المصري لم تكن مجرد ذهاب إلى الشارع، بل عملية تحول معقدة بين إرادة شعبية، ومؤسسات مؤقتة، وصياغات دستورية متعددة، تُمثّل كلًّا منها تجسيدًا جزئيًا لرؤية مختلفة حول السلطة، والحقوق، والنظام السياسي.



رابعًا: دور الشعب والمؤسسات في العملية الدستورية


من منظور دستوري، ما يميّز مرحلة 2011–2014 هو التفاعل بين الشعب والمؤسسات:


كان لثورة 25 يناير أثرٌ مباشر في إسقاط نظام حكم قائم، ما أدى إلى تغيير جذري في السلطة التنفيذية وقلب أولويات الصياغة السياسية.


تلت ذلك عملية صياغة دستور 2012، ثم أعقبتها أحداث 30 يونيو 2013، التي سمتها وثيقة الديباجة نفسها كجزءٍ من نفس "الثورة" الوطنية، وأسفرت في النهاية عن دستور 2014، والذي اعتُبر إعادة تأسيس مؤسسات الدولة على أسس دستورية جديدة. 



هذا التداخل بين الفعل الجماهيري والمؤسسي يُعد من أوجه الدراسة المهمة في التحليل الدستوري لما يمكن تسميته “مسار التغيير”، حيث لا يقوم فقط على تظاهرات، بل على عملية تجسيد إرادة الشعب داخل وثيقة دستورية تؤطر الحياة السياسية.


خامسًا: التحليل القانوني والسياسي لدور الدساتير في انتقال السلطة


أكاديميًا، يُستشهد على أن الدساتير ليست مجرد نصوص جامدة، بل أدوات لتكريس التغيير والتحوّل في المجتمع. في حالة مصر، كان التحدّي الدستوري يتعلق بمدى قدرة الوثيقة على احتواء مطالب الثورة الشعبية، وإعادة تنظيم السلطة وتوزيعها بطريقة تضمن التوازن بين مؤسساتها المختلفة. لقد أثبتت تجارب السنوات التالية أن الدستور يعمل كمرجعية أساسية للتفاوض على قواعد اللعبة السياسية، ويعد معيارًا لشرعية أي ممارسة سياسية لاحقة. 



خاتمة


يمكن القول إن ثورة 25 يناير و30 يونيو، كما نُصِّ عليهما في الدستور المصري 2014، يُنظر إليهما باعتبارهما مرحلتين مترابطتين في مسار إعادة تأسيس الدولة على قيم الحرية والعدالة والمواطنة. ويُعد الاعتراف الدستوري بهما في الديباجة ذات دلالة قوية على توصيفهما ليس فقط كحوادث تاريخية، بل كعوامل حاسمة


في إعادة بناء الإطار المؤسسي للدولة الحديثة.

أحدث أقدم
صدى البلد نيوز
صدى البلد نيوز
صدى البلد نيوز