تقرير سياسي: المواجهة الكبرى بين إسرائيل وإيران عملية "زئير الأسد" و"الوعد الصادق 4"
أحمد خلف عبدالله
تعتبر أحداث الثامن والعشرين من فبراير والأول من مارس لعام 2026م نقطة هامة في التاريخ الحديث لمنطقة الشرق الأوسط، حيث تغيرت التوترات بين إسرائيل والولايات المتحدة من ناحية، وإيران من ناحية أخرى، من حرب الوكلاء إلى مواجهة عسكرية مباشرة طالت تداعياتها معظم دول الإقليم وأثرت على الاقتصاد العالمي والأمن القومي العربي. إن العمليات العسكرية التي أطلق عليها الجانب الإسرائيلي اسم "زئير الأسد" والجانب الأمريكي اسم "ملحمة الغضب"، استهدفت بشكل ثابت تفكيك القدرات الهجومية والنووية الإيرانية، مما تطلب رداً إيرانياً عاجلاً تحت اسم "الوعد الصادق 4"، لكن الرد لم يقتصر على استهداف العمق الإسرائيلي بل امتد ليشمل القواعد الأمريكية الموجودة بدول الخليج العربي والأردن، مما شكل تهديدا مباشراً للأمن القومي العربي.
أولا: جذور المواجهة من الضغط إلى المواجهة المفتوحة
الانفجار العسكري الذي شهده يوم 28 فبراير ليس وليد الصدفة، بل جاء نتيجة لأسابيع من التصعيد والمفاوضات المتعثرة التي لم تسفر عن نتائج ملموسة، مما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقيادة الإسرائيلية إلى اتخاذ قرار الضربة الاستباقية. بدأت مقدمات الهجوم بتحذيرات أمريكية لرعاياها بمغادرة المنطقة، وتأجيل عدد من المناورات البحرية المشتركة في مضيق هرمز، هذا المشهد المتوتر أدى في النهاية إلى انطلاق "المواجهة المباشرة".
تفاصيل العمليات العسكرية: "زئير الأسد" الإسرائيلي و"ملحمة الغضب" الأمريكية
لقد بدأت العملية العسكرية فجر السبت 28 فبراير 2026، بضربات جوية وصاروخية مكثفة استهدفت العاصمة الإيرانية طهران وعدة مدن استراتيجية أخرى. حيث أكد وزير الدفاع الإسرائيلي في تصريح له بأن هذه الضربات تهدف إلى "إزالة التهديدات الوجودية لدولة إسرائيل"، معلناً حالة الطوارئ القصوى في الجبهة الداخلية الإسرائيلية. من جانبه، ألقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطاباً استمر 8 دقائق، أكد فيه أن الهدف هو "حرية الشعب الإيراني" وتفكيك البرنامج النووي، داعياً عناصر الحرس الثوري إلى إلقاء السلاح أو مواجهة "الموت الأكيد".
الأهداف الجغرافية للضربات الأمريكية والإسرائيلية في إيران:
تميزت الضربات بدقة عالية واستهدفت مراكز ثقل، وتوزعت جغرافياً على النحو التالي:
* العاصمة طهران: تركز القصف على حي "باستور" الذي يضم مقرات صنع القرار، بما في ذلك القصر الرئاسي ومجمع المرشد الأعلى.
* أصفهان وقم: استهدفت الضربات مقرات للحرس الثوري الإيراني ومنشآت عسكرية حساسة، بالإضافة إلى أنظمة الدفاع الجوي ومواقع إطلاق الصواريخ الباليستية.
* تبريز وشيراز وكرمنشاه: شمل الهجوم مناطق ساحلية ونفطية وقواعد جوية، حيث تم استهداف البنية التحتية الهجومية للحرس الثوري لتقليل قدرته على الرد الصاروخي.
* بوشهر: تعرضت المدينة الساحلية لضربات استهدفت المنشآت، مع وجود غموض حول تأثر المفاعل النووي هناك.
* جنوب إيران (ميناب): أفادت تقارير بوقوع مأساة إنسانية نتيجة قصف استهدف مدرسة "ميناب" الابتدائية للبنات، مما أسفر عن مقتل 50 إلى 85 شخصاً، معظمهم من الأطفال، وهو ما أثار موجة تنديد دولية واسعة.
ثانياً: الرد الإيراني عملية "الوعد الصادق 4" واستهداف العمق الإسرائيلي
لم تتأخر طهران في تفعيل ترسانتها الصاروخية، حيث أطلق الحرس الثوري عملية "الوعد الصادق 4"، والتي وصفت بأنها الرد الأكثر عنفاً وتطوراً مقارنة بالسابق. شمل الرد موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الانتحارية، استهدفت مراكز عسكرية وحيوية داخل الأراضي المحتلة.
ونقلاً عن وسائل إعلام عبرية بدوي صفارات الإنذار في جميع أنحاء إسرائيل، وأكدت التقارير إصابة مبنى وزارة الحرب الإسرائيلية في تل أبيب بشكل مباشر، بالإضافة إلى تدمير مبانٍ سكنية في "رمات غان" و"يافا". كما استهدف القصف الإيراني القاعدة البحرية في حيفا، ورصيف السفن الحربية، وقاعدة "رمات ديفيد" الجوية، ومراكز صناعات عسكرية.
امتداد النيران إلى الدول العربية: استهداف القواعد الأمريكية داخل الدول العربية.
من أبرز وأخطر تداعيات اليوم هو دخول الأراضي العربية في الصراع العسكري المباشر. فقد أعلنت إيران أنها ستستهدف القواعد الأمريكية في المنطقة رداً على التسهيلات التي قُدمت للعدوان الأمريكي-الإسرائيلي. هذا الموقف أدى إلى تداعيات كان علي آثرها تعرض خمس دول خليجية بالإضافة إلى الأردن لهجمات صاروخية وبطائرات مسيرة. لقد توزعت الهجمات الإيرانية على الدول العربية وفقاً لتركيز الوجود العسكري الأمريكي وخطوط الملاحة الجوية، على النحو التالي
1- السعودية: الرياض والمنطقة الشرقية هجمات صاروخية إيرانية، صدور "بيان القوة" السيادي السعودي.
2- الإمارات: أبو ظبي ودبي اعتراض صواريخ، مقتل شخص نتيجة سقوط حطام.
3- البحرين: المنامة (مقر الأسطول الخامس) | هجمات واسعة أدت لتغيرات في حركة الطيران.
4- الكويت: مطار الكويت الدولي وسقوط شظايا مسيرات، وقف الملاحة الجوية.
5-قطر: قاعدة العديد ونجاح الدفاعات الجوية في التصدي لموجات صاروخية متعددة.
6-الأردن: المجال الجوي الأردني حيث تم اعتراض صواريخ باليستية عابرة للأجواء، وإدانة رسمية للاعتداء
7- في العراق، تعرض مقر قيادة الحشد الشعبي جنوب بغداد لغارات جوية تزامنت مع الهجوم على إيران، مما يعكس شمولية العملية العسكرية لتفكيك ما تسميه واشنطن "محور المقاومة".
ثالثا: الاتصالات الدبلوماسية العربية خلية أزمة لاحتواء الموقف
في مواجهة هذه الأحداث ولمنع الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة، قاد ملوك ورؤساء الدول العربية تحركات دبلوماسية واسعة استهدفت حماية الأمن القومي العربي في محاولة منهم لتحييد المنطقة من الصراع الدولي المحتدم. تركزت هذه الاتصالات على تنسيق المواقف، وتأكيد السيادة، والضغط على القوى الدولية لضبط النفس.
حيث لعب العاهل الأردني دوراً في التواصل مع القادة العرب والدوليين، مؤكداً رفض الأردن المطلق لأن تكون أراضيه ساحة لتصفية الحسابات، الاتصال مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حيث بحث الجانبان التطورات الإقليمية الخطيرة، وأدانا الاعتداءات على السيادة العربية. كما قام بالتنسيق مع القيادة المصرية والإماراتية والقطرية، وأجرى الملك عبد الله الثاني اتصالات هاتفية مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، والشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لبحث تداعيات الهجمات الصاروخية وتنسيق الجهود الدفاعية والدبلوماسية.
تحركات الرئيس عبد الفتاح السيسي والسياسة المصرية
لقد جاء الموقف المصري حازماً واضحاً في حماية أمن الخليج مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة لمنع الانفجار الشامل. حيث أجري الرئيس السيسي عدد من الاتصالات لرؤساء وملوك الدولة العربية معرباً عن تضامن مصر ودعمها لكافة إجراءات حماية وحفظ سيادة الدول العربية وأمنها القومي.
كما أكد الرئيس السيسي في عدة بيانات أن أمن دول الخليج هو امتداد للأمن القومي المصري، ولن تسمح مصر بأي ممارسات تسعى لزعزعة استقرارها.
رابعا: تداعيات المواجهة على المنطقة والعالم
1- سلاح النفط ومضيق هرمز:
لم تقف أحداث اليوم عند الجانب العسكري، بل امتدت لتشمل عصب الاقتصاد العالمي عبر إعلان الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. يمر عبر هذا المضيق نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية، وأي غلق يعني دخول العالم في أزمة طاقة غير مسبوقة.
2- التداعيات اللوجستية والإنسانية:
أصبحت منطقة الشرق الأوسط اليوم "منطقة طيران محظورة" فعلياً. حيث أعلن 11 مطاراً خليجياً تعليق رحلاتها مؤقتاً، فيما أغلقت الأردن والعراق مجالاتها الجوية. في إسرائيل، تم تفعيل حالة الطوارئ القصوى، وأغلقت المدارس والجامعات، وحُظرت التجمعات الكبيرة.
ومن ناحية أخرى الجانب الإيراني، كان الوضع الإنساني مأساوياً. بالإضافة إلى القتلى والجرحى جراء الغارات، يعيش الشعب الإيراني تحت وطأة قمع داخلي عنيف وانقطاع مستمر للإنترنت.
إن هذه الاحداث تمثل نقطة فارقة؛ خاصة بعدما أعلن التليفزيون الإيراني تأكيد اغتيال المرشد الأعلى. كما أصبح أمن الطاقة العالمي رهينة للقرارات العسكرية في طهران وتل أبيب وواشنطن. أما بالنسبة للدول العربية فإن التحدي الأكبر يكمن في الحفاظ على هذا الموقف الموحد والحازم الذي ظهر في اتصالات الملك عبد الله الثاني والرئيس السيسي والأمير محمد بن سلمان، وهو الحفاظ على أمن وسيادة الدول العربية.
تشير المعطيات إلى أن الساعات القادمة ستكون حاسمة؛ فإما أن ينجح مجلس الأمن الدولي، بناءً على طلب فرنسا والبحرين، في فرض وقف إطلاق نار إنساني يعيد الأطراف إلى طاولة المفاوضات، أو أن المنطقة ستشهد موجات أكثر فتكاً من عملية "زئير الأسد" و"الوعد الصادق 4"، مما قد يؤدي إلى تغييرات جذرية في خريطة النفوذ والأنظمة في الشرق الأوسط.
