سطوة الطبع
بقلم/ناني عادل
في كثير من المنعطفات الانسانية وفي اللحظات التي يتداخل فيها الصمت مع الاختبار يتبدى امامنا قانون خفي لا يكتب في الدفاتر ولا يتلوه الحكماء لكنه يفرض نفسه بقوة اشد من اي برهان ذلك القانون الذي يجعل الطبع ينهض من عمق الروح ولو لبس صاحبه الف قناع واتقن الف بروتوكول من بروتوكولات التطبّع فالعشرة قد تهذب الاسلوب والاختلاط قد يقوّم الانفعال والمجاملة قد تلوّن الملامح لكن ما ولد مع الانسان يظل يترصد اللحظة التي يخرج فيها الى سطح الحقيقة من جديد
والطبع ليس ملامح ثابتة فحسب بل هو جذر خفي يمتد في النفس كما تمتد الجذور في الارض لا تراه العين لكن ترى اثره في الثمر قد تبدو الشجرة متناسقة مورقة باهرة الشكل ولكن يوم تجتاحها العاصفة يظهر معدن الارض التي نبتت منها كذلك الانسان تماما لحظة الشدة هي الفاضحة ولحظة المصالح هي الممتحنة ولحظة الاختلاف هي المرآة التي تكشف الطبع كما هو دون رتوش او رتبة اجتماعية او لبوس متصنع
وبين الطبع والتطبّع مسافة طويلة يحاول فيها البعض تجميل ما لا يجمّل وترميم ما لا يرمّم غير ان الناس بحاستهم الفطرية يميزون دائما بين العفوية الصادقة وبين الصياغة المصطنعة يلمسون حرارة الوجدان في كلمة جميلة خرجت بلا ترتيب ويدركون حدود التكلّف في حركة محسوبة او ابتسامة مبرمجة فالقلب لا يخدع والحدس لا يشترى والروح تشم رائحة الصنعة كما تشم رائحة الزيف في اي موقف لا يحمل صدق
والطبع الحقيقي لا يظهر في لحظات الراحة بل في مواقع الانفعال والضيق والجرح هناك فقط تتكلم الروح وحدها دون اذن من العقل هناك تعرف مع من تقف وعلى من تعتمد ومن الذي يهبك حضوره دون حساب ومن الذي يصطنع الاخلاق كما تصطنع المسرحيات من هنا كان قول الحكماء الخلق الذي يثبت عند الغضب هو الخلق الحقيقي
وليس المقصود ان الانسان لا يتغير لكنه لا يتغير الا حين تتغير جذوره حين يراجع نفسه بصدق ويعري دوافعه ويهذب نواياه ويعيد صياغة العالم من داخله لا من سطحه ذلك التغيير يتطلب طاقة روح لا يملكها الا من قرر ان يواجه نفسه مواجهة صريحة لا من يحاول تجميل وجهه امام الناس
ويبقى الفرق واضحا بين من يتطبّع ليبدو افضل وبين من يصقل طبعه ليصبح افضل الاول يمثل مشهدا والثاني يمثل حقيقة الاول ينهار حين يختبر والثاني يزداد صلابة لان الروح التي بني عليها اصيلة لا تهتز ولا تتلون بتغير الفصول
لا يخطئ الزمن حين يكشف لنا وجوه البشر فالطبع مهما اختفى يعثر دائما على طريقه الى الضوء والزمن كعادته لا يخون من يراه بحدس قلبه قبل بصره
