صدى البلد نيوز

ملك… حين تصبح المشاعر ساحة

لم تكن ملك فتاة مختلفة في ملامحها، لكنها كانت مختلفة في إحساسها بالعالم. تضحك بعمق، تبكي بعمق، تحب بعمق، وتكره بذات العمق. كل شيء داخلها كان يحدث بأقصى درجة، دون زرّ إيقاف. في صباحٍ عادي، استيقظت ملك وهي تشعر بأنها بلا قيمة. رسالة قصيرة لم يصلها ردّها سريعًا، كانت كفيلة بأن تقلب يومها رأسًا على عقب. "أكيد زهق مني… أكيد هيمشي… أنا عبء" أفكار لم تحتج إلى دليل، فقط إحساس طاغٍ بالخوف من الفقد. علاقات لا تعرف المنطقة الوسطى كانت علاقات ملك إمّا جنة أو جحيم. تُقدّس من تحب، تراه المنقذ الوحيد، ثم فجأة—وبكلمة واحدة—يتحوّل في داخلها إلى شخص قاسٍ، خاذل، لا يُحتمل. في إحدى المرات، اختلفت مع صديقتها المقربة. انسحبت ملك فجأة، حذفت رقمها، وبكت لساعات وهي تردد: "ما حدش بيكمل معايا… كلهم بيمشوا." كانت تخاف الهجر أكثر مما تخاف الألم نفسه، فتختار الانسحاب قبل أن تُترك. هوية تتبدل مع الآخرين لم تكن ملك تعرف من هي دون وجود شخص تعتمد عليه. مع كل علاقة جديدة، تتغير: اهتماماتها، طريقتها في الكلام، حتى أحلامها. كأن هويتها مرآة تعكس من أمامها، لا ذاتًا مستقلة. وحين تُسأل: “إنتِ عايزة إيه؟” كانت تتجمّد. السؤال ذاته كان مرعبًا. غضب مفاجئ… ثم ذنب قاتل كانت نوبات الغضب تأتي فجأة، بلا إنذار. صوت مرتفع، كلمات جارحة، دموع حارقة. ثم صمت طويل، يليه شعور ساحق بالذنب وكره الذات. "ليه دايمًا ببوّظ كل حاجة؟" سؤال تردده بعد كل انفجار، دون أن تعرف كيف توقفه. الجذور التي لا تُرى لم تولد ملك بهذه الفوضى. في طفولتها، عاشت بين قربٍ شديد ثم بُعدٍ مفاجئ. أب غائب أغلب الوقت، وأم متقلّبة بين الاحتواء والنقد القاسي. الحب لم يكن ثابتًا، والأمان كان مشروطًا. كبرت ملك وهي لا تعرف إن كان من تحب سيبقى أم يرحل، فتعلّمت أن تتشبث… أو تهرب. لحظة الانكسار… وبداية الوعي حين فكرت ملك في إيذاء نفسها بعد خلاف بسيط، أدركت أن الألم لم يعد يُحتمل. لأول مرة، لم تبحث عن شخص ينقذها، بل طلبت مساعدة متخصصة. التشخيص: حين يصبح الألم مفهومًا داخل غرفة العلاج، سمعت المصطلح لأول مرة: اضطراب الشخصية الحدّية. لم يكن وصمة، بل تفسيرًا. فهمت أن مشاعرها الشديدة، خوفها من الهجر، تقلب علاقاتها، غضبها، وفراغها الداخلي—كلها ليست “عيبًا”، بل أعراضًا. العلاج: إعادة بناء النفس خطوة خطوة بدأت ملك رحلة علاجية شملت: العلاج الجدلي السلوكي (DBT) تعلّمت فيه كيف تنظّم مشاعرها، تهدّئ نوبات الغضب، وتتحمّل الضيق دون إيذاء نفسها. التعرف على محفزات الانفجار صارت تميّز بين الواقع ومخاوفها القديمة، وبين الهجر الحقيقي والخيالي. بناء هوية مستقلة تعلّمت أن تسأل نفسها: "أنا عايزة إيه؟" وأن يكون لها رأي، رغبة، وحدود. إعادة تعريف العلاقات لا تقديس… ولا شيطنة. أشخاص عاديون، يخطئون ويبقون. النهاية… التي ليست نهاية اليوم، ما زالت ملك تتعثر أحيانًا. لكنها لم تعد تكره نفسها بعد كل سقوط. تعرف أن التعافي ليس خطًا مستقيمًا، بل طريق طويل مليء بالمحاولات. تبتسم الآن وتقول: “مشاعري قوية… بس أنا أقوى.” رسالة أخيرة اضطراب الشخصية الحدّية ليس جنونًا، ولا دلعًا، ولا مبالغة. هو جرح عاطفي عميق يمكن شفاؤه، حين يُقابَل بالفهم، العلاج، والرحمة.
أحدث أقدم
صدى البلد نيوز